الشيخ محمد هادي معرفة
277
تلخيص التمهيد
ثمَّ تجرَّد قوم لفنِّ القراءة ، والأخذ والتلقّي والإقراء ، سمة اختصاصيَّة ، واعتنوا بذلك أتمَّ عناية واشتهروا في قراءة القرآن وإقرائه ، حتّى صاروا في ذلك أئمَّة يُقتدى بهم ويُرحل إليهم ويُؤخذ عنهم . وهكذا أجمع المسلمون من أهل البلاد ، وكان أهل كلِّ بلد يأخذون من القارئ الَّذي حلَّ بينهم ، ويتلقَّون قراءتهم بالقبول ، ولم يختلف عليهم اثنان ، ولتصدّيهم للقراءة نسبت إليهم . وممَّن اشتهر منهم بالمدينة : أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، ثمَّ شيبة بن نصاح ، ثمَّ نافع بن أبي نعيم . وبمكَّة : عبد اللَّه بن كثير ، وحميد بن قيس ، ومحمَّد بن محيصن . وبالكوفة : يحيى بن وثّاب ، وعاصم بن أبي النجود ، وسليمان الأعمش ، ثمَّ حمزة ، ثمَّ الكسائي . وبالبصرة : عبد اللَّه بن أبي إسحاق ، وعيسى بن عمر ، وأبو عمرو بن العلاء ، ثمَّ عاصم الجحدري ، ثمَّ يعقوب الحضرمي . وبالشام : عبد اللَّه بن عامر ، وعطيَّة بن قيس ، وعبد اللَّه بن المهاجر ، ثمَّ يحيى بن الحارث الذماري ، ثمَّ شريح بن يزيد الحضرمي . * * * والقرّاء بعد هؤلاء كثروا وتفرَّقوا في البلاد وانتشروا ، وخلفتهم أمم بعد أمم ، واختلف صفاتهم وسيرتهم في الأخذ والتلقّي والقراءة والإقراء ، فكان منهم المتقن للتلاوة ، مشهوراً بالرواية والدراية ، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف . وكثر بينهم لذلك الاختلافُ ، وقلَّ الضبط ، واتِّسع الخرق ، وكاد الباطل يلتبس بالحقِّ - على حدِّ تعبير ابن الجزري - « 1 » . فقام جهابذة علماء الامَّة وكبار الأئمَّة ، فبالغوا جهدهم في التمحيص ، وتمييز الصحيح عن السقيم ، والمشهور عن الشاذّ ، بأصول أصَّلوها ، وقواعد رصفوها ، وأصبحت القراءة بذلك فنّاً من الفنون ، له قواعد متقنة وأصول محكمة ، وفيه الاجتهاد والاختيار . وقد شرحنا طرفاً من ذلك في فصل سابق .
--> ( 1 ) راجع النشر في القراءات العشر : ج 1 ص 9 .